المقالات

آفاق ومواقف في الإسلام

24 مايو 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

أستهل بكلمة يسعدني تسجيلها‏.‏ اعتراف الإسلام بالأديان الأخري ذكاء شديد‏,‏ ودماثة أشد فهو يحترمها ويضيف إليها بما هو خاتمها الجامع وختامها العاطر‏.‏

هذا الاعتراف يقفل باب الردة عنه إذ فيم الرجوع وإلي أين؟ إلي المسيحية؟ إنه يعترف بها في محبة فأهلها أقرب الناس مودة إلي الذين آمنوا‏.‏ ‏‏ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاري ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون‏.‏ فيم الرجوع؟ إلي اليهودية إنه يعترف بها في صورتها الأولي‏.‏ إن الاعتراف بالأديان الأخري إضافة كبيرة إلي الإسلام‏..‏ إضافة ينفرد بها‏..‏ ونبعة سلام تحفظ عليه بشره وقوته وسط الظروف كلها وهي دليل وثوق واطمئنان ولعل هذا سر تمسك المسلم بالإسلام تمسكا حميما حتي يستحيل تحوله‏...‏ وهي قوة جعلت الإسلام يقوي علي حرب لم يواجهها دين آخر‏.‏ وإذا كان الإيمان يمثله عند اليونان‏:‏ الرواقية ويمثله عند المسيحيين المسيح رمز التحمل‏...‏ فإن الإسلام عند المسلمين صبر وصلاة‏..‏ تكامل نفسي ذلك التكامل الذي يجب أن يكون هدف التربية‏.‏ يقول كارليل في كتابه‏(‏ الأبطال‏):‏ ‏‏لو لم يكن محمد‏,‏ فيه‏,‏ جانب صدق لما استطاع دينه أن يعطي هذه الحضارة كلها‏.‏ ‏.........‏ أقول ليس في الإسلام الصراع الذي يقف وراء الدراما اليونانية‏..‏ حتي القدر عند اليونان يقابل الإنسان‏..‏ فالقدر والإنسان يتصارعان‏..‏ أما الإسلام فإن آيته‏‏ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‏.‏ صورة الأنعام الآية‏162‏ الإسلام من خلال هذه الآية فيه اتجاه إلي الله وتسليم سلامي‏.‏ الله الذي لا إله إلا هو قيوم القيم كلها وقيوم السموات والأرض‏.‏ هو الأول والآخر‏(‏ أقرب إليه من حبل الوريد‏)‏ القريب كل القرب البعيد كل البعد الرفيع كل الرفعة معجز الأفعال كل الإعجاز ليس كمثله شيء‏.‏ ‏..................‏ إن التوحيد في الإسلام‏:‏ سر البطولة‏..‏ والقول‏(‏ لا غالب إلا الله‏)..‏ ليس‏,‏ تميمة ولكن عقيدة‏...‏ فيها سمو علي الأشياء وعلو علي الصفات يصف العابدون ما يصفون ثم يظل الله أكبر‏...‏ مرة أخري أقول ليس كمثله شيء‏.‏ الإسلام تنزيه وتوحيد‏...‏ حتي كلمة‏(‏ عبد‏)‏ في الإسلام منتهي الحرية لأن‏(‏ عبدالله‏)‏ تنفي أن يكون عبد غيره ممن خلق من عبيده‏:‏ إن الإسلام دين الفطرة‏..‏ لقد شرح ابن طفيل المسألة عقلانيا‏..‏ ولكن التجربة الدينية بصيرة‏...‏ انفتاح‏.‏ التجربة الدينية لا تعادي العقل ولكنها‏,‏ أبعد‏,‏ منه‏,‏ مدي‏.‏ إن الخلود عندها لا يعني استمرار الزمن ولكنه يعني‏:‏ ما وراء الزمن‏.‏ إن التوحيد الإسلامي هو المحور الثقافي توحيد الذات فلا انفصام ولا تشقق توحيد المجتمع فيبرأ من التشيع والتطاحن‏...‏ توحيد العالم نحو القيمة الكبري أي الله‏.‏ ومن هنا يأتي التدين في الإسلام‏,‏ تفسيرات وحدانية ارتفعت علي لغو الكلام‏,‏ وعقم الجدل‏..‏ وأترعت بسلام وطمأنينة هي حكمة قلب حقق عمليا معني التوحيد ومعاني الرحمة والبناء والاتقان ونعيم البر بالحرفة‏,‏ وأبهة الخلق المنطلق والمطلق‏,‏ وصمت الخاشع المستمع وهناءة المستمريء السعيد‏.‏ الايمان في الإسلام هو ما استقر في القلب وصدقه العمل فلا يقول قائل‏(‏ لا حول ولا قوة إلا بالله‏)‏ ثم يخاف من إنسان حاكما أو محكوما مادامت استقامت خطاه‏.‏ لا يقول إياك نعبد وإياك نستعين ثم يتخذ من دونه أربابا ومن هنا يكون الإسلام كرامة واعتدادا فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين حدثت مجاعة في أيام الشاعر المتصوف فريد الدين العطار وإذا به‏,‏ يجد في السوق عبدا يضحك فسأله في دهشة الغضب‏:‏ تضحك وسط الجوع؟ فقال العبد‏:‏ سيدي غني‏...‏ وهنا خجل فريد الدين العطار‏..‏ لأن الله هو خالق سيد العبد الضاحك وصاحب الفضل في غناه‏..‏ ولا يقاس غني المخلوق بغني الخالق فكيف هزت المجاعة الشاعر العطار وهو يعلم أن سيده‏,‏ الله جل جلاله؟ هنا أحس بالذنب‏...‏ إن التنزيه إفراد الله بالقدرة والجلال فكل ما عداه صغير مهما انبعج‏...‏ قارون غني‏...‏ الله أكبر هولاكو قوي‏...‏ الله أكبر لقمان حكيم‏...‏ الله أكبر ولكنه غرور الإنسان كلما اشتد احساسه بالضعف في قرارة نفسه الأمارة بالسوء ولأمر ما يستهل القرآن بقوله‏‏ أعوذ بالله من الشيطان الرحيم‏.‏ لكأنها تنقية للنفس مما يسوء ويشوب وتهيئة لها لتتلقي سيال الرحمة من الآيات‏.‏ إنها رحمة أن يضاعف الله الجزاء في الحسنة ويقصره علي المثل في السيئة‏.‏ لقد كرم الله الإنسان حين استهل كتابه الأكبر بفاتحة تقتصر من دون ال

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى