المقالات

الإسلام حضارة إنسانية

الحضارة والاديان فى مصر
15 مارس 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

فؤاد أقولها وأرددها‏..‏ إن اعتراف الإسلام بالأديان السماوية قبله ميزة انفرد بها‏,‏ ونبعة تسامح تحفظ عليه بشره وقوته وسط الظروف كلها‏..‏ لقد اعترف الإسلام بالكتب السماوية قبله في صورتها الأولي‏,‏ كما أنزلت‏..‏

ولكنه في الوقت نفسه يرفض الإلحاد‏..‏ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا‏,‏ له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب‏‏ سورة الحج آية‏73.‏ المسلمون عند الإسلام‏,‏ كل من سلمت فطرتهم وأعمالهم‏‏ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن‏..‏ سورة النساء الآية‏125.‏ يقول كارليل‏Karlyle‏ في كتاب‏(‏ الأبطال‏):‏ ‏‏لو لم يكن محمد‏,‏ فيه جانب صدق لما استطاع دينه أن يعطي هذه الحضارة كلها‏.‏ وقبل أن أتناول الإنجازات العلمية لهذه الحضارة‏,‏ أقول‏:‏ إنها حضارة إنسانية حتي حين اضطر الإسلام إلي الحرب دفعا لظلم أو درءا لعدوان‏,‏ كان يحوطها بالتشريع ويضع لها من التقاليد والحرمات ما يليق بدين الشرائع المثلي فهو يحرم التمثيل بالميت أو قتل النساء والأطفال مما ترتكبه الحروب الحديثة علي الرغم من التشدق بحقوق الإنسان ومبادئ السلام‏.‏ الإسلام حضارة إنسانية يوم توهج بحب الحياة‏,‏ فاعترف بمتاعها ومتعتها‏..‏ أقر زينتها وطيباتها وطيوبها فلا انطوائية ولا قوقعة ولا زهد‏..‏ زهاده اختيار وأسلوب شخصية الإسلام أنيق يحب النظافة والزينة والجمال‏..‏ أوجب طهارة الجسم كالروح‏..‏ وزكي الطيب والخضاب وأباح التزين وأتاح المتعة في غير حرام وأوجب الوضوء والاغتسال فكان نظاما جامعا للدين والدنيا‏.‏ ويفرض هذا نصا وطقسا ثم بالإيحاء أو الاقتداء حين يبثه في ثنايا أقوال ومعان كثيرة ولكن بدون إسراف‏.‏ إنه دين الفطرة وقد شرح هذا ابن طفيل‏,‏ عقلانيا‏,‏ ولكن التجربة الدينية بصيرة‏..‏ انفتاح‏..‏ التجربة الدينية لا تعادي العقل‏,‏ ولكنها أبعد منه‏,‏ مدي‏.‏ إن الخلد عندها لا يعني استمرار الزمن‏,‏ ولكن يعني ما وراء الزمن‏.‏ إن التوحيد في الإسلام سر البطولة فالقول‏(‏ لا غالب إلا الله‏)‏ ليس تميمة ولكن عقيدة‏..‏ فيه سمو علي الأشياء‏,‏ وعلو علي الصفات‏..‏ يصفه العابدون ما يصفون ثم يظل أكبر‏(‏ ليس كمثله شئ‏).‏ التوحيد الإسلامي هو المحور الثقافي إنه‏:‏ توحيد الذات فلا انفصام ولا تشقق توحيد المجتمع فيبرأ من التشيع والتطاحن توحيد العالم نحو القيمة الكبري أي الله‏.‏ ومن هنا يأتي التدين في الإسلام تفسيرات وجدانية ارتفعت علي لغو الكلام وعقم الجدل وأترعت بسلام وطمأنينة هي حكمة قلب حقق عمليا معني التوحيد ومعاني الرحمة والبناء وعز الكلام والاتقان‏,‏ ونعيم البر بالحرفة وأبهة الخلق المنطلق والمطلق وصمت الخاشع المستمع وهناءة المستمرئ السعيد‏.‏ الإسلام دين الاتقان تجويدا للقرآن وتجريدا للخط العربي حتي غدا تسعين قلما‏.‏ الإسلام حضارة إنسانية يوم ركز علي المساواة وحارب العلو في الأرض‏.‏ الإسلام حضارة إنسانية في موقفه من المرأة موقفا متحضرا واسع الأفق‏,‏ إنساني النزعة والفكر والشعور‏,‏ وضعها في إطار واحد مع الرجل في‏:‏ التكليف‏..‏ والمسئولية‏..‏ والإرادة‏..‏ والتصرف بل أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبايع النساء وهذه المبايعة من فروع استقلال النساء في المسئولية والرأي والاختيار وهو مانسميه اليوم حق الانتخاب الذي تحاول المرأة الحصول عليه في الشرق والغرب‏..‏ واعتبروا حصولها عليه في البلاد التي أقرته تقدما ورقيا‏.‏ أعطي الإسلام المرأة حق البيع والشراء وحرية التصرف في مالها‏...‏ وجعل موافقتها شرطا في صحة الزواج‏,‏ ونوه الإسلام بدورها في التاريخ وسدادها في الرأي وقدرتها علي التفكير والتدبير‏.‏ أعطي الإسلام المرأة حق الاحتفاظ باسمها بعد الزواج لقد منح الإسلام‏,‏ المرأة من الحقوق ما لم تسلم لها به أوروبا حتي اليوم‏.‏ الإسلام حضارة إنسانية في وقفته الواعية بالخلفية الروحية بالوجود‏..‏ تلك الخلفية التي غابت عن الوعي المعاصر‏.‏ تري الله حياة الحياة أو السر الأسمي لها‏.‏ وتري إبداع الكون في اتساقه الغريب‏,‏ ومن ثم حققت هي الاتساق في أسلوبها‏.‏ كانت المدارس الدينية‏(‏ الشافعية ـ المالكية ـ الحنيفية‏)‏ تدرس مع علوم الدين‏,‏ الفلك ـ الهندسة ـ الموسيقي ـ وهي رؤية في العلاقات المتجانسة بين العلم والدين والفن يسمونها العلاقات الفاضلة‏.‏ وانطلاقا من هذا الأفق‏,‏ حفظ المسلمون الحضارة القديمة حفظ الكريم الذي ينمي ويضيف‏:‏ الإسلام حضارة حين ربط الإنسان بالكون الرحيب ولم يحصره في ركن واحد تحت اسم العلم‏,‏ أو المادة‏,‏ أو العصرية‏.‏ يقول‏(‏ جيرالد هيرد‏)‏ في كتابه‏TheThirdMorality(‏ القيمة الخلقية الثالثة‏):‏ إن الغرب تعس ومتخلف بتحكيمه القانون العلمي في كل شئ حتي غدا الإنسان‏,‏ آلة قابلة للتحكيم والتحكم‏..‏ ومادام كل شئ‏(‏ ماكينة‏)‏ فكل شئ لا هدف له ولا أخلاق له‏,‏ ولا قيم له‏.‏ الإسلام حضارة إنسانية يوم احترم الإنسان منذ أربعة عشر قرنا حين سحب الغرب أو العصر الحديث السجادة من تحت قدميه‏.‏ إن أزمة الإنسان المعاصر أنه أبعد من الصورة‏..‏ أصبح إنسانا نمطيا حين لا يميز إنسانا عن آخر إلا صورة فريدة‏..‏ فيه الإسلام موهبته أنه مضاد للعقلية الحشدية‏..‏ إن اعتماد الإنسان علي الله‏,‏ يشد الإنسان إلي سلطة أخري غير سلطة الدنيا‏..‏ وبدون مسئولية الفرد أمام الله‏,‏ تصير الأخلاق أمورا تواضعية‏.‏ سئل يونج عن سر أزمة أوروبا في كتابه‏:TheundiscoveredSelf‏ فقال‏:(‏ ضياع الفرد‏)..‏ ولم يكن يونج وحده‏..‏ لقد نقد الحضارة الغربية‏:‏ ‏(‏برنارد شو‏)‏ في كتابه‏:(‏ دليل المرأة الذكية‏)‏ وديوي في كتابه عن‏(‏ الفردية القديمة والحديثة‏)Indivdualismoldandnew,‏ وقد أشار فيه إلي التشقق في النفس الأمريكية كما أشار‏:AlexesKarelle‏ الفرنسي في كتابة الإنسان ذلك المجهول‏..‏ ويتساءل‏Velhilm‏ لماذا نترجم عن الشرق؟ إنها حاجة الأوروبي إلي الجانب الروحي في الإنسان‏.‏

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى