المقالات

مصر والأديان ـ عيد الميلاد

18 يناير 2006
د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

يقول جاك مارتان في كتابه عن الفلسفة المدرسية‏:‏ الفن المصري نبوءة بالمسيحية‏.‏ إن الايمان هو الرحمة وحيثما وجدت الرحمة فوراءها إيمان‏.‏

ومصر القديمة قالت في أدبها‏,‏ من رحمة‏:‏ ‏‏كن مرضعا للمريض وأبا لليتيم‏‏ ‏‏إن فضيلة من يؤثر الحق أفضل من الثور الذي يقدمه المذنب قربانا‏‏ حين جاءت الأديان وآمنت بها مصر لم يكن ايمانها انقيادا بل ايمان الشخصية الحضارية فمن السماحة وقابلية التطور ومرونة الادراك‏,‏ أن تدرس الرأي الآخر وتنفذ اليه فإذا اقتنعت به تقبلته دون جمود وإذا تقبلته نمت به وأعطته‏,‏ وبهذا استمر دورها فلم تسقط الأضواء من علي قسماتها أبدا‏..‏ فقد خرج من مصر نابهون وأعلام حققوا معني الدين في المرحلتين المسيحية والاسلامية‏.‏ ولولا أن مصر في قلبها نزوع إلي السمو والعلو من قديم‏,‏ لما تقبلت مصر المسيحية والاسلام بمثل ما تقبلتهما‏.‏ لقد استقبلت الحضارة المصرية الأديان السماوية تشوقها الحضاري إلي المطلق‏,‏ ونزوعها إلي التجريد‏,‏ وولوعها بالقيم في الفكر والروح‏.‏ لقد أجمع أساتذة الفنون الذين رأوا جامع السلطان حسن علي أنه فن فرعوني ولو أنه أثر اسلامي‏.‏ إن القبة هي الترجمة الاسلامية للهرم القبة هرم ترفق المصري المسلم في بنائه من رفق الدين الجديد فاستدار الخط بعد صلابة وثبات‏.‏ والمئذنة هي الصورة الاسلامية للمسلة‏..‏ إن داخل كل مئذنة‏,‏ مسلة في الشكل والروح‏..‏ المصري المسلم كان يجمع الي فنه الموروث سماحة الدين الجديد ورحمته فانطبع هذا في فنه الاسلامي‏,‏ حنيات واستدارة فأبواب المساجد يزركش المصري المسلم‏,‏ أعلاها وكأنه يحضن المستطيل‏,‏ ويعشق الخشب ويستنطق السطح بالنقش والنمنمة‏.‏ كم هي بليغة لغة ابن البلد في لفظة‏(‏ يعشق‏)‏ حتي الخشب في مفهومه‏,‏ أرواح تتحاب وتتعانق ويعشق‏..‏ حتي المفاهيم العقائدية تلتقي فيها عصور مصر مع تجديدها فلو تأملنا الآثار المصرية لرأينا الجناح يسيطر علي خيال المصري الذي رمز‏,‏ به‏,‏ الي الرحمة‏..‏ الي الانطلاق‏..‏ الي السيطرة‏..‏ ولهذا شاع في الفن المصري القديم‏(‏ القرص المجنح‏)‏ حبا في النور‏,‏ والحرية‏,‏ وتحصينا بالشمس والجناح‏..‏ وتسرب هذا عبر الاجيال الي نفس‏,‏ ابن البلد فأصبح يقول ويؤمن بـ بمصر المحروسة‏.‏ وعندما جاء الإسلام استقبلته مصر ونمت به‏,‏ ونمته فلم يمح شخصيتها بل اضاف اليها عمقا جديدا‏..‏ يوم حملت مسئوليته في السلم والحرب فدافعت عنه في مواقعه الكبري‏,‏ وحمت حضارته التي تهددها هولاكو فوق ما عملته علي ارضها برصيدها الكبير في صناعة الحضارة‏.‏ هذا هو دور مصر وعطاؤها‏..‏ حتي الأديان حين تعتنقها لا تقف عند الاتباع بل تأخذ دورا بالعطاء والاضافة والتكيف علي هدي حضارتها وسابق معطياتها‏.‏ إن الوجدان الديني بالنسبة الي مصر‏(‏ القيمة‏)‏ كالنيل بالنسبة الي مصر‏(‏ الوادي‏).‏ الوعي الديني هو نهر النيل المعنوي‏..‏ والمصري علي طول تاريخه له موقف وعطاء‏.‏ خلاصة المصري القديم‏..‏ حضارة‏.‏ خلاصة المصري المسيحي تجرد وشهادة‏..‏ خلاصة المصري المسلم جهاد وخلوص لله‏..‏ خلاصة المصري المعاصر‏,‏ اسلوب تفكير تتوافق فيه الوسيلة مع الغاية‏.‏ وتختلف الاديان والعصور‏..‏ والمصري يجمع في كيانه هؤلاء كلهم‏..‏ كم لمصر من المواقف‏.‏ الامام الحسين بن علي‏,‏ قابله في طريقه الي كربلاء رجل يعرفه فسأله‏:.‏ كيف حال الناس‏!‏ فقال له‏:‏ ـ قلوبهم معك وسيوفهم عليك‏..‏ وانهالت السيوف علي الحسين وقتل في كربلاء‏..‏ ثم انقض زبانية يزيد علي طفل الحسين زين العابدين وكان مريضا يريدون ان يفتكوا‏,‏ به فاحتوته عمته السيدة زينب في حجرها وصرخت فيهم‏:‏ اقتلوني انا اولا‏..‏ فارتدوا يجللهم الخزي والعار‏.‏ وعاش زين العابدين ليعيش ذكر العلويين ويقوم لهم ملك ودولة‏.‏ وعاشت باسمهم في التاريخ الاسلامي الدول والملوك‏.‏ السيدة زينب بكل ما تمثله من معاني الفداء والحماية والحنان‏..‏ بكل ما تمثله من معاني الحق وشجاعة الرأي والموقف والضمير‏..‏ السيدة زينب الكريمة الجليلة أهانها يزيد بن معاوية في حضرته واخرجها من دولته في الشام والعراق فاستقبلتها مصر‏..‏ واليها وشعبها عند حدود الشرقية‏,‏ وتنازل الوالي عن قصره‏.‏ لها وانزلها فيه‏,‏ وهو ضريحها الآن‏.‏ تري لو احتمي الحسين بمصر هل كان يلحقه حيف او يعلوه سيف؟ سؤال يلح علي خاطري بين الحين والحين‏.‏ ‏ ***‏ اعتنقت مصر الاسلام بحسها الحضاري‏,‏ بما فيه من انفتاح علي الفكر وانشراح للفكرة‏,‏ واحتضان للقيم‏.‏ مصر رائدة الزراعة‏,‏ طبيعتها فيها رغبة التفتح والتطور والتجدد والنماء كالنبات‏..‏ ولولا انفتاحها وتفتحها ما آمنت بالاسلام بعد تبنيها المسيحية وخوضها من اجلها موقعة الشهداء‏..‏ ولاقت ما لاقت ولكنها لم تضعف‏.‏ العذراء حملت المسيح واحتضنته ومصر حملت المسيحية واحتضنتها واحتضنت مصر المسيحية وأثرت فيها ونشرتها كما لم يفعل احد وجاء الإسلام يردد‏:‏ الله تعالي وفي تعالي هذه سمو علي الاشياء‏,‏ وعلو علي الصفات‏.‏ في المسيحية قصة عيسي ومريم‏..‏ وزيجة ماريا أم ابراهيم من الرسول محمد عليه السلام كما كانت‏(‏ هاجر‏)‏ المصرية أم اسماعيل والد عرب الحجاز‏.‏ وفي الاسلام احساس التعاطف مع النصاري اقرب الناس مودة للمسلمين‏.‏ ‏...‏ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون‏.‏ وكان ابن عبد الله القبطي وابو رافع القبطي من صحابة الرسول وفي الاسلام لمسيحية مصر‏,‏ تحية طالما رددها الرسول القائل‏:‏ ‏(‏استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما‏).‏ ومس قوله عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان يقول‏:(‏ اهل مصر اكرم الاعاجم كلها وأسمحهم يدا‏,‏ وافضلهم عنصرا واقربهم رحما بالعرب عامة وبقريش خاصة‏)‏ ‏ ***‏ قلت قليلا من كثير يعيش جوايا‏....‏ يا هنايا مصرية‏..‏

د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى