المقالات

رحلة الحضارة في مصر - مصر .. وموقفها من الاديان

الحضارة والاديان فى مصر
16 اغسطس 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

انتقل إلي وقفة أخري أصيلة وحميمة‏,‏ وهي التقاء الإسلام بمصر مرجئة مؤقتا دور مصر في المسيحية‏.‏

لقاء الإسلام بمصر كان حميما‏,‏ وكان كريما يسبقه الحديث النبوي الشريف‏:‏ ‏(‏سيفتح الله عليكم مصر‏,‏ فاستوصوا بأهلها من القبط خيرا فإن لكم فيهم ذمة ورحما‏).‏ وهنا يحلو لي أن أقف وقفة راضية معتزة شامخة عند كلمة‏(‏ سيفتح عليكم‏..)‏ إذن بلوغ مصر‏:‏ فتوح من الله أرقي وأكرم من‏:‏ الفتح‏.‏ ‏(‏يفتح عليكم‏)‏ غير‏(‏ يفتح لكم‏)‏ أو أمامكم مما يفيد‏(‏ الغزو‏).‏ وفي العربية المصرية نقول عند‏(‏ التوفيق‏):‏ فتوح من الله‏.‏ وفي الدعاء للأمن نقول‏,‏ وبعد اللقاء يأتي اللقاء المعنوي‏.‏ الإسلام دعامته الأولي‏:‏ التوحيد‏,‏ وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يسمي الذين لم يشركوا من العرب في الجاهلية‏:[‏ الحنفاء‏].‏ ومصر ارتفعت علي الشرك منذ فجر تاريخها‏.‏ ففي الدولة القديمة‏,‏ الأسرة الخامسة يقول الملك أوناس‏:‏ أنا لم أشرك بالإله أنا لم أعق والدي أنا لم ألوث ماء النيل وفي الأسرة الرابعة التي بني ملوكها‏,‏ الأهرامات‏,‏ نري معني كبيرا لقد بنوها لإيمانهم بعودة الروح‏.‏ بنوها لإيمانهم أو رغبتهم الحميمة في الخلود في البعث‏..‏ لهذا حنطوا الجسم ليحفظوه من البلي حتي تحل فيه الروح من جديد‏.‏ لقد رسمت الملكة حتشبسوت في معبدها‏(‏ الجنة‏)‏ كما تخيلتها‏,‏ ووصفتها بأنها نهر عظيم وزروع وأشجار وأزهار أي‏(‏ صورة من النيل ومصر‏)..‏ اعذروها معها حق‏.‏ وكتبت علي الصورة‏(‏ الجنة مكان لا أعداء فيه‏).‏ أي أن أهلها‏(‏ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما‏).‏ ما أروع هذا الوصف المكتنز الروي‏..‏ لم تعرف مصر‏,‏ الصراع‏...‏ خيرها كثير‏..‏ وفير‏..‏ فياض‏..‏ والمصريون يأتيهم رزقهم غدقا وهم بما عندهم يغدقون‏..‏ النيل في مصر‏,‏ ري للروح والجسم معا فمصر شفافية وجمال وسلام‏.‏ كان الكاهن في مصر القديمة يقف علي باب المعبد فإذا شم رائحة‏(‏ ثوم‏)‏ منع صاحبها من الدخول حفاظا علي المعبد والمتعبدين ليكون المكان سلاما ورائحة زكية‏..‏ جنة‏..‏ مصر جنة الدنيا‏.‏ ‏***‏ احترمت مصر المرأة‏,‏ وجاء الإسلام واحترمها بل خصها بإكبار تفردت به‏,‏ وهو قوله ممثلا في الحديث الشريف‏:‏ ‏(‏الجنة تحت أقدام الأمهات‏)‏ ‏...................‏ من يزور المتحف المصري يجد حجرة الملكة‏(‏ حتب حرس‏)‏ أم خوفو فريدة رائعة‏..‏ يري سريرها لا مثيل له‏,‏ ويري مكانا وثيرا لرأسها ومكانا مقابلا في الناحية الأخري لإراحة قدميها‏.‏ هكذا كانت المرأة المصرية مدللة مبجلة‏,‏ وهو ما لم أره في بلد آخر‏,‏ وقد زرت عددا من بلاد أوروبا ومدنها الكبيرة‏(‏ العواصم‏).‏ وفي أمريكا رأيت ما في المتاحف وما في البيوت التي زارنا أصحابها عند زيارتهم مصر‏,‏ ومن واجبي رد الزيارة فشكرت ربي أني مصرية حباني الله بمصر والنيل‏..‏ ‏***‏ أعز الإسلام‏,‏ المرأة‏..‏ نص علي أخذ رأيها عند الزواج واشترط رضاها‏.‏ كرمها الإسلام‏,‏ أما‏..‏ بما لم يسبقه إليه ولم تلحقه فيه‏,‏ شريعة من الشرائع‏..‏ حتي الميراث الذي أخطأ حكمته كثيرون‏,‏ فحين أعطي الإسلام‏,‏ البنت‏,‏ نصف نصيب الأخ فقد أعفاها مقابل ذلك من جميع المسئوليات فهي زوجة مسئولة من زوجها‏..‏ وليس عليها نفقة أقارب‏..‏ حين يتحمل أخوها الذي يأخذ الضعف ظاهريا‏,‏ نفقة بيته‏..‏ وزوجته‏..‏ بل يتحمل نفقة الأقارب المحتاجين منهم حتي أقارب الدرجة الرابعة إذا اقتضي الأمر‏.‏ فهي بالنصف أوفر حظا من النصيب الكامل الذي ينوء بالأعباء‏.‏ ‏***‏ بقي أن أقول إن مصر كان إسلامها حميما كريما مشرفا فهي التي فسرت القرآن‏,‏ وهي التي جمعت الحديث‏,‏ وهي التي وضعت قاموس العربية الأكبر‏(‏ لسان العرب‏)..‏ لقد بني العراق المدرسة النظامية‏,‏ ولكن لتعليم العراقيين‏..‏ ولكن مصر بنت الأزهر‏36‏ رواقا للعالم الإسلامي كله لكل بلد‏,‏ رواق لقد دافعت مصر عن الإسلام‏,‏ وخاضت من أجله‏:‏ معركة ذات الصواري ـ حطين ـ عين جالون ـ معركة أكتوبر سنة‏1973‏ فلم تكن مصر وحدها هدف إسرائيل‏,‏ ولكنها تقدمت وتصدت للمعركة‏,‏ كما تصدت من قبل للحروب الصليبية دفاعا عن العالم الإسلامي‏..‏ وانتصرت فيها‏.‏ مصر كانت في الإسلام علما ومعلما‏..‏ ومجدا مؤثلا‏.‏ وما في الخلد مرتبة تلقي‏..‏ وتؤخذ من شفاه الجاهلينا ولكن منتهي همم كبار‏..‏ إذا فنيت مصادرها بقينا وأخذك من فم الدنيا ثناء‏..‏ وتركك في مسامعها رنينا؟‏...‏

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى