المقالات

رحلة العدل في مصر

5 يوليو 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

عندما صار للعثمانيين دولة‏,‏ وامبراطورية‏,‏ وخلافة‏,‏ كان الخليفة يضع في عمامته‏,‏ ريشة مرصعة ـ لزوم الفخفخة ـ وان قاست مصر الأمرين في عهدهم مما لا أنساه

ووضع الريشة القواد والفرسان‏,‏ علي تفاوت‏.‏ كما كان المماليك يتمايزون بهذه الريشة تشبها‏.‏ يقول برستد في كتابه فجر الضمير ‏‏إن ماعت قد نشأت في أول أمرها بمثابة أمر شخصي خاص بالفرد للدلالة علي الخلق العظيم في الأسرة أو في البيئة التي تحيط بالانسان مباشرة‏,‏ ثم انتقلت بالتدريج في سيرها الي ميدان أوسع فصارت تمثل الروح والنظام للارشاد القومي والاشراف علي شئون البشر بحيث تكون الادارة المنظمة مفعمة بالاقتناع الخلقي‏.‏ وبتلك الكيفية وجدت لأول مرة بيئة ذات قيم عالية‏,‏ وحينما بدأ المصريون يتصورون الحكم الإلهي لهذه البيئة‏,‏ كانوا في الحقيقة يسيرون في الطريق المؤدية الي عقيدة التوحيد السامية‏..‏ فلم يكن من مجرد المصادفة أن كان ثاني الشعوب اهتداء الي عقيدة التوحيد المذكورة‏,‏ أقرب جيران مصر عبر حدود آسيا في فلسطين‏.‏ فالتصور المصري للنظام الاداري والخلقي العظيم‏,‏ الذي أطلق عليه اسم ماعت والذي صار اسمي مظهر للحضارة الشرقية القديمة‏,‏ كان كما رأينا نتيجة للتطور الاجتماعي الحكومي مدة ألف سنة من حياة أمة عظيمة موحدة ثابتة منظمة كانت تخطو دائما في خلالها نحو الارتقاء والتقدم‏.‏ ماعت‏...‏ كلمة واحدة جامعة حوت في ثناياها كل معاني السمو والرفعة في الحياة البشرية‏,‏ انها أقدم تعبير معنوي ذي معان متعددة‏.‏ ماعت‏...‏ لم تكن تعني نقيض الباطل فقط‏,‏ بل تعني نقيض الاخطاء الخلقية علي وجه عام أيضا‏.‏ وكان المصريون يسمون الله‏:‏ رب العدالة‏.‏ اختارت مصر الريشة‏,‏ تاجا للعدالة يفوق التيجان المرصعة‏.‏ فبهذه الريشة أو بجزئها العلوي العاري من الريش بله الأحجار الكريمة‏,‏ أقسم الله في الإسلام‏.‏ أقسم بالقلم وبما سطر‏:‏ ن والقلم وما يسطرون وبالقراءة فصل الله بين عهدين‏:‏ الجاهلية والإسلام‏.‏ بداية الرسالة الإسلامية وبداية الحضارة الإسلامية‏:‏ القراءة‏,‏ ليست قراءة الحروف فحسب‏..‏ بل قراءة المعاني وراءها‏.‏ وكم قرأت مصر وكم كتبت‏..‏ وسطرت كانت ماعت معناها الصدق وكانت ماعت معناها العدل والحق‏.‏ وكانت بهذا كله‏,‏ توضع في مكان بارز في دور القضاء‏,‏ ودور المحاكم‏,‏ وفي المنازل‏,‏ وفي المقابر منازل الآخرة‏,‏ كما يسميها أبناء الشعب‏.‏ وهذا مؤشر الي قيمة الصدق عندهم في الحياة‏,‏ وبعد الحياة‏...‏ ومدي تعلقهم به‏.‏ ومن حكم امينموني الحكيم المصري‏:‏ قل الصدق وافعل ما يقتضيه‏,‏ فهو العظيم القوي‏.‏ كان يحنو علي الخطأ قل الصدق وآية حنوه‏,‏ قوله‏:(‏ لا تقولن لا أحمل خطيئة فليس بين يدي الله‏,‏ انسان كامل‏).‏ ومما يحسب لمصر‏,‏ أن شوقها الي الحقيقة‏,‏ لم تدفع إليه حاجة ملحة والحاجة أم الاختراع كما يقولون‏,‏ ولكن مصر استشرفت الي الكمال والي معرفة الله من خلال اخناتون الملك السيد‏,‏ الذي لم يكن عنده مشكلة‏..‏ ومع هذا كله‏,‏ ألغي الملك الامبراطور‏,‏ ألقابه الملكية كلها‏,‏ حين شعر بضآلة الإنسان مهما بلغ الي جانب الله المتفرد بالعظمة والجلال وسمي اخناتون نفسه‏:‏ العائش علي الصدق وهنا وصل بعد التجريد‏,‏ الي التجرد‏.‏ والتجرد من الأشياء المادية لا يعني جهلها أو تجاهلها‏,‏ وهو الملك ولكن يعني التحرر من سيطرتها‏.‏ وهو الواسع الغني‏,‏ البالغ الثراء ولكن التحرر من سيطرتها‏,‏ يعني احتواءها صورة في داخل النفس‏,‏ لا اقتناءها عينات خارجها‏.‏ وتمسك مصر بالعدل ينعكس‏,‏ فيها‏,‏ علي الواقع وعلي الأساطير‏,‏ ففي أسطورة ايزيس واوزوريس التي قتل فيها ست أخاه أوزوريس بكت ايزيس‏,‏ انسانة ثم انبعثت‏,‏ مصرية‏,‏ بروح العدل تسعي الي المحكمة تعرض قضيتها‏.‏ لم تعرف ايزيس‏,‏ حائط المبكي‏,...‏ وما عرفته مصر حتي في أقسي المحن‏.‏ انها تترك للقانون‏,‏ محاكمة الجاني‏.‏ وتترك للزمن من يفلت من العقاب فيتآكل ويختفي‏,‏ وتظل هي الباقية‏.‏ وتسجل اسطورة ايزيس واوزوريس‏,‏ كره الخنزير عند المصريين لان ست تقمص هيئته وفقأ عين حورس‏,‏ الذي حملها في بر الأبناء وقدمها الي والده رمزا للتضحية والوفاء‏..‏ رمزا احتفظت به مصر‏..‏ واحتفلت به مصر مدلولا ومعني‏,‏ وفي لغة مصر الشعبية يقول المصري في المواقف الحميمة لمن يحرص علي محبته‏(‏ فداك عيني‏)‏ وفي الأغنية الجميلة تقول أم كلثوم‏(‏ عيني يا عيني علي العاشقين‏).‏ ومع كراهية الخنزير‏,‏ رسموه علي جدران المعابد وقد غطوه بشال يقيه البرد في الشتاء‏..‏ وأمامه رجل يسقيه من اناء نظيف في فصل تام بين حق الحي ولو كان حيوانا‏,‏ وبين العداوة أو البغض‏.‏ وفي القرآن الكريم‏:(‏ ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي‏).‏ إن مصر بخلفياتها ومجتمعها سبقت العبريين بثلاثة آلاف سنة وكان أدبها ركيزة للتوراة‏.‏ بمشيئة الله المقال القادم عن رحلة العدل في العصر الإسلامي‏.‏

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى