المقالات

صفحات من التاريخ المقارن

15 فبراير 2006
د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

صفحات من التاريخ المقارن بقلم‏: ‏د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد وصف أندريه موروا ديوان بيرون وبكارة الإحساس بالكتابة بقوله‏:‏ تذوق بيرون حلاوة النفحات الأولي من المجد‏..‏

فليس في الدنيا ألذ وأمتع من أن يكون المرء مؤلفا‏‏ ولكن حتي هذه النعمة السابغة‏..‏ حتي هذا الأوج الرفيع الذي بلغ ذراه‏,‏ لم ينسه طفولته القاسية المعذبة‏,‏ فكان دائم الشفقة علي الفقراء والبائسين دائم البر بهم‏..‏ يعطي كثيرا حتي يصبح خالي الوفاض فيستدين‏.‏ وقد بلغت ديونه رقما مخيفا‏..‏ كتب الي هانسون وكيله يسأله‏:(‏ هل لي أن أبيع رتبتي؟ ماذا تساوي اللوردية؟ خمسة عشر جنيها؟ إنها إذن تكون شيئا مذكورا لرجل مثلي لا يملك هذا العدد قروشا‏)‏ وأحسبه لو ساومه‏..‏ أقصد لو جاز أن يساومه أحد علي الموهبة فإن أموال الأرض لا ترقي إليها عند الموهوب‏...‏ كم بين‏(‏ اللوردية‏)‏ أو أي لقب كائنا ما كان‏,‏ وبين الموهبة الحقيقية‏.‏ لقد سجل بيرون يومياته في صورة حوار طويل بين بيرون و بيرون‏..‏ ومن الطريف أنه في المساء عندما يطوي يومياته يكتب الي نفسه‏:‏ ‏(‏الآن أتثاءب إذن مساء الخير يا بيرون‏)‏ في مطلع‏1815‏ تزوج بيرون‏..‏ ومن العجيب أن هذا الإنسان الشاعر الحساس كان فظا مع زوجته حتي قالت‏:‏ لو أنه أحس بجدارتي به لكان معي طبيبا‏..‏ انه يعاملني كما لو كنت ضميره‏‏ ومن غرائب بيرون أنه كلما زادت ثروته‏,‏ أمسك يده فكان يراجع نفقات البيت ويحاسب بدقة وصيفه فلتشر في حين ينفق علي محبوباته بغير حساب ولا يساوم مع الأحباب‏.‏ أحب السنيورة ماريانا سيجاتي وكانت جشعة تبيع الجواهر التي يهديها إليها فيشتريها لها مرة أخري‏!!‏ العلم المعاصر‏:‏ يقول عالم الذرة الألماني الأصل بورن حامل جائزة نوبل‏:‏ كم كنت أتمني أن يكون طلبتي أقل ذكاء أو أكثر حكمة‏...‏ فمما لا شك فيه أنه خطأ من جانبي أنني علمتهم فقط مناهج البحث ولا شيء سوي ذلك‏...‏ والنتيجة اليوم أن الإنسانية تجد نفسها في حالة تكاد تكون ميئوسا منها‏.‏ عندما وقف روبسبير يخطب في أعنف أيام الثورة الفرنسية‏,‏ قال كلمته المشهورة‏:‏ لا تعنيني أن تكون الدولة حمراء أو بيضاء‏..‏ يمينية أو يسارية‏..‏ ولكنني أريد الدولة القوية التي تعرف كيف تقدس الصالح العام وكيف تحترم مصلحة الجماعة‏.‏ حمدا لله أني مصرية‏...‏ لقد ارتوت روح مصر من النبع الأعلي الصافي الله جل جلاله‏,‏ كما ارتوي جسمها من النيل‏.‏ وإذ وصلت مصر واتصلت‏,‏ عرفت الخلوة سبيلا الي التأمل والتفكير فابتدعت الرهبنة في المسيحية‏.‏ ووضعت أسس التصوف في الإسلام‏.‏ والتصوف ليس الفرق والنحل المتعددة والمتعادية ولكن التصوف في مصر‏:‏ علم ومعرفة علي يد ذي النون‏.‏ وقصيد ونشيد علي يد ابن الفارض إنه ذوق مصر الخاص‏...‏ ودماثة الإنسان المصري الذي تعالي علي هيرودوت القائل‏(‏ مصر هبة النيل‏).‏ لقد أحنقه قدماء المصريين‏,‏ لأنهم لا يشربون في إناء إغريقي‏...‏ ولا يذبحون بسكينه ولا يقبلونه من كبرياء العزيز الفخور المعتد بوطنه العريق‏...‏ كبرياء المعتد بمصر‏..‏ إنها ليست مجرد وطن إنها حضارة ونضارة وعراقة لقد احتضنت مصر المسيحية وجاء الإسلام يردد‏(‏ الله تعالي‏)‏ أي سمو علي الأشياء وعلو علي الصفات وآمنت مصر بالإسلام في صفاء ونقاء ووفاء‏.‏ لم ينقطع التيار الحضاري عن مصر الحضارة والنضارة‏,‏ فآمنت بالأديان من صفاء الفطرة ونقاء الروح ورصيد الحضارة‏..‏ لهذا آمنت بالمسيحية‏,‏ وشرح الله صدرها للإسلام‏,‏ وبهذا استمر دورها علي المسرح الحضاري فلم تسقط الأضواء عن قسماتها أبدا‏...‏ عند مصر الوعي الخلاق للقيمة‏,‏ فأعطت المسيحية ما أعطت‏,‏ وبعدها قدمت للإسلام ما قدمت وحقق أبناؤها معني الدين في المرحلتين‏,‏ لأن ما عندها كبير راسخ يعين علي التفهم والانشراح‏..‏ وبهذا استمر دورها علي المسرح فلم تسقط الأضواء عن قسماتها أبدا‏.‏ وفي إشراقة الحضارة ونضارة التألق‏.‏ أعطت مصر ما أعطت‏...‏ إن التقوي الحقيقية عند مصر تتمثل في‏..‏ الفن حين جسمت‏,‏ عقائدها في الروح والبعث والخلود‏:‏ أهرامات ومعابد ونقوشا‏..‏ وهكذا كان الفن عند مصر مدخلا الي الدين حين يفهم عباد النصوص من الدين معني الخوف من العقاب‏,‏ والرهبة من الحساب‏,‏ والفزع من النار‏..‏ وقمة التمسك بالدين في رأيهم هو التعصب له‏!!.‏ وفي الفن المصري تعانق الإسلام والمسيحية‏,‏ لأنهما معا ينبعان من الفن المصري القديم‏..‏ وفي مكتبة جوتا كما يقول الدكتور عبدالعزيز مرزوق في كتابه‏(‏ الفن المصري الإسلامي‏)‏ في مدينة ميونيخ رق يتضمن صفحة من القرآن بها زخارف بسيطة وأشرطة تفصل بين السور بعضها وبعض تتضمن زخارف هندسية متأثرة بالفن القبطي الي حد بعيد‏)‏ إن جلود الكتب في العصر الإسلامي إنما يحدد تاريخها الكتابة القبطية والكتابة العربية‏..‏ بهذا يشهد المسلمون‏..‏ وبروعة الزخرفة الإسلامية يشهد المسيحيون‏..‏ فالأستاذ بشر فارس في كتابه القيم‏(‏ سر الزخرفة الإسلامية‏)‏ يقول‏:(‏ ما أحسبك تلقي ملة كبيرة تحضرت فأنست باللطيف والدقيق من العمران‏,‏ تسلم مسكناتها لأسرار دينها‏,‏ وتوثق اشاراتها بأحكام مفروضة‏,‏ فوق ما أسلمت الملة الإسلامية وأوثقت‏)...‏ ومضي يفسر الزخرفة الإسلامية مستلهما روح الإسلام بما يشهد بتفوقه فيه‏,‏ كبار الفنانين المسلمين‏.‏ لقد استعان العرب بقبط مصر‏,‏ خارجها أيضا‏,‏ فاستعان بهم الوليد في بناء مسجد دمشق والمسجد الأقصي وقصر أمير المؤمنين‏,‏ ويضيف البلاذري في فتوح البلدان‏,‏ مسجد المدينة فيما أعانوا عليه‏...‏ وكأن الوليد يترسم خطي أسلافه الذين استعانوا بأقباط مصر في إعادة بناء الكعبة قبل الإسلام‏..‏ وكأن مصر منذ بني إبراهيم واسماعيل ابن هاجر المصرية‏,‏ الكعبة‏,‏ آلت علي نفسها أن يكون البناء علي يديها فعادت الي بناء الكعبة أيام الظاهر بيبرس‏,‏ وفي العهد العثماني‏,‏ وفي عهد محمد علي إن أقباط مصر‏,‏ هم الذين بنوا أول محراب في الإسلام‏,‏ كما تأثر بفن مصر المسيحي في الزخرفة والبناء قصر المشتي في شرق الأردن‏,‏ الذي يلمح الدير الأبيض والدير الأحمر في سوهاج‏...‏ ومن عطاء مصر للفن الإسلامي بعد المحراب‏,‏ المئذنة والقباب‏.‏ جاء في كتاب فن مصر خلال العصور‏:‏ إن فنار الاسكندرية الذي بهر العرب عند فتح مصر هو‏:(‏ الأصل الفني للمئذنة‏),‏ إن السمو الذي يزهو به النخيل المصري هو الأصل الفني في عمود المعبد والكنيسة ومئذنة المسجد‏,‏ وكأنه مشوق الي أعلي وتوق الي فوق‏.‏ لقد نهض المصريون أقباطا ومسلمين في العصر الفاطمي‏,‏ وهو العصر الذي يعتبره المؤرخون نقطة تحول في تاريخ مصر من الناحية الدينية‏..‏ بالفن الإسلامي المصري نهضة فيها احساس مصر ووجدانها وذوقها الحضاري‏,‏ ما أضفي علي فن مصر الإسلامية طابعا مميزا وشخصية فذة حتي إن بعض آثاره كمشهد الإمام الشافعي يعد كما يقول الدكتور عبدالعزيز مرزوق منعدم النظير في مصر‏,‏ بل في العالم الإسلامي أجمع‏.‏ ومن هذا المستوي مدرسة السلطان حسن‏,‏ التي أشاد بها الرحالة من شرقيين وغربيين وفي مقدمتهم المقريزي‏...‏

د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى