المقالات

في بهو الكرنك

يونيو 2013
د.إبراهيم شلبى
المصدر في بهو الكرنك

عند العامود التالي من أعمدة الكرنك الخالدة .. وقفت الكاتبة و الناشطة السياسية الدكتورة نعمات أحمد فؤاد .. عاشقة مصر وعروس النيل .. ركزت نظراتها الهادئة على الرئيس و بادرته بالقول ..

" يا سيادة الرئيس .. في موقع الإخوان الإلكتروني كتب عني .. صنعت الدكتورة نعمات سلسلة من المقالات عن مصر القديمة ايام الفراعنة وايام الملوك علي صفحات جريدة الاهرام .. ولا أعرف مايشغلها في الموضوع .. فالفخر بالتاريخ المصري القديم شيء ظاهر في مقالاتها .. واغلب من كتبوا في الموضوع كانوا من العلمانيين .. هذه هي نعمات أحمد فؤاد .. مشكلتها مصريتها الزائدة عن الحد .. و أنها ربما خدعت بكتب المستشرقين حين مدحوا مصر .."

أخذ الرئيس على حين غرة وقال مرتبكاً ..

" يمكن كان الكلام ده تعليق على موضوع معين .. عموماً حضرتك عارفة إننا كلنا بنحب البلد .. بس إحنا مش عايزين نركز على الأرض أكتر من العقيدة .. و .."

قاطعته الدكتورة نعمات بحزم ..

"سيادة الرئيس..أخبروني أنك تتكلم أكثر مما تصغي ..لذا فإني قبل أن أبدأ حديثي معك فإني أطلب منك أن تستمع إلي .. إن السمع نوع من الكرم.. استضافة رأي الآخرين.. إن حسن التلقي فن .. أتمنى أن تتعلمه .."

إبتسم الرئيس محرجاً ..

" حاضر يا دكتورة نعمات .. أديني باسمعك أهه .."

" أنا عاشقة لمصر وتاريخها ..و لقد خضت الكثير من المعارك الفكرية و السياسية لحماية تراثها و حضارتها آثارها .. بل ولم أتردد في اللجوء للقضاء مختصمة مع الحكومة و كبار رجال الدولة في سبيل الحفاظ على إرث شعب مصر الحضاري ..

كان سلاحي هو القلم .. و إنه حقاً لشيء كبير أن يكون للإنسان قلم ولكن شيئا نفيساً أن يكون للإنسان موقف .. ومن نعم الله علي أن وهبني الكلمة والقرار.. أعني القدرة علي الاختيار الصعب .. فعرفت المواقف .. وتحملت في سبيل مواقفي الكثير وعلوت علي الإغراءات والعروض والمناصب والبريق .. فأعز منها جميعا تراب هذا البلد.. كل ذرة من هذا التراب "

وقعت كلمات : قلم ..موقف .. كلمة .. قرار .. غريبة على أذني الرئيس .. فهي آتية بصوت إمرأة ..

نظرت الدكتورة نعمات إليه بعتاب ..

" تذكر أيها الرئيس أننا هنا نسمع أفكارك .. أجل لقد خضت كل هذه المعارك كإبنة بارة لمصر .. و كانت صيحتي .. ليس الرجال وحدهم الذين يفدونك يا حبيبة .. و لكن النساء مع الرجال .. فأنت أمنا جميعاً بلا تفريق ..

يا سيادة الرئيس .. في كتابي (إلى إبنتي) نصحتها و معها بنات مصر .. فقلت : لابد أن يكون لك اهداف انسانية تميزك عن السواء.. فمن حق وطنك عليك أن تحسي آلامه في عمق وولاء.. ومن حقه أن تحققي آماله فيك وآماله في غد كريم .. كذلك حذرت إبنتي أن لا تكون تافهة .. تنحصر عندها القيم والمظاهر في الزي .. قل لي .. هل تنوى بناء النهضة التي تتحدثون عنها بسواعد أجيال من التافهات يا سيادة الرئيس ؟ .."

إحمر وجه الرئيس .. و لم يرد .. فواصلت الدكتورة نعمات حديثها ..

" معارك كثيرة متعددة خضتها .. لا عاصم لي الا الله .. سفر الآثار واستباحة الآثار بالنهب والبيع والإهداء .. آثار سيناء التي نهبتها إسرائيل .. قضية متحف محمد محمود خليل .. وغيرها ..و كانت قضية هضبة الأهرام هي الوسام الذي اضعه على صدري وأفتخر به إلى الأبد.. هل تذكر هذه القضية يا سيادة الرئيس ؟ "

هز الرئيس رأسه سلباً ..

" في بدايات عصر الإنفتاح .. قامت الحكومة بالتعاقد مع شركة إستثمارية مقرها هونج كونج .. على بيع آلاف الأفدنة في منطقة هضبة الأهرام الخالدة .. لإنشاء مدينة

سياحية تشتمل على فنادق و مقاهي و مطاعم و بحيرة صناعية ضخمة بمساحة 12 فداناً تحت أقدام الهرم ..

شعرت بالصدمة .. هضبة الأهرام ليست مجرد قطعة أرض صحراوية فضاء ليقام ليها مشروع إستثماري ..إنها إرث آلاف السنين بكل عطائها و أمجادها و معانيها .. إنها ميراث الأجداد .. نهديه و نبقيه أمانة جيل لجيل .. ما بقيت مصر و جرى النيل ..

وإنتفض قلمي و نشرت مقالتي .. (إرفعوا أيديكم عن هضبة الأهرام) تليتها بعدة مقالات نشرتها بشجاعة جريدة الأخبار .. و إنتفض المصريون .. داخل مصر و خارجها للدفاع عن رمزهم الخالد .. إشتعل الرأي العام المصري بل و العالمي لما يراد بالهرم .. ورفض المشروع نقابة المحامين و جمعية المهندسين و الجامعات .. و قدم زعيم المعارضة إستجواباً عن المشروع في البرلمان .. أما الصحافة العالمية .. فقد ترجمت مقالاتي .. وخرجت التايمز من لندن تقول (إننا نناشد العالم المتمدين أن يتضامن معنا ليحمي تراث مصر من مصر) .. كما كان العنون الرئيسي لجريدة لوموند في باريس هو ( هل الهرم حضارة أم تجارة ؟ .. هل الهضبة تاريخ أم صفقة ؟) .. وأعربت منظمة اليونسكو و متحف اللوفر و جامعة السوربون عن رفضهم و شجبهم للمشروع .. واستجابت الحكومة المصرية للضغوط و ألغت الصفقة في موقف محرج لمصر و رئيسها .. هذا ما فعله قلم نعمات أحمد فؤاد .. ذات المصرية الزائدة عن الحد كما تقولون .. و إعلم يا سيادة الرئيس أن قلمي و آلاف الأقلام معي تقف بالمرصاد لكل من يضمر تاريخ مصر و أثارها بسوء .."

رد الرئيس مسرعاً ..

" بس إحنا مش ناويين نعمل مشاريع في هضبة الأهرام "

فتلقى نظرة قاسية من الدكتورة نعمات ..

" هناك من حلفائك من أعلن نيته القيام بما هو أسوأ من ذلك .. ألم تسمع الشيخ الذي أعلن في وسائل الإعلام عن نيته تفجير الأهرامات و أبي الهول .. حتى لا يعبدوا من دون الله ؟ "

ضحك الرئيس ضحكة عصبية و قال ..

" دي أكيد مبالغات .. وإحنا طبعاً مش حنسمح بحاجة زي دي تحصل .."

إزدادت نظرات الدكتورة نعمات حزماً و قالت ..

" لا أستطيع أن أتخيل أن يفتخر شخص على شاشات التليفزيون بأنه كان ضمن من فجروا تمثالي بوذا في أفغانستان .. و يعد بنفس المصير للأهرامات و أبي الهول .. و يترك طليقاً بلا حساب أو عتاب "

شدت الدكتورة نعمات جسمها في إباء.. فبدت في وقفتها .. رغم جسمها الدقيق .. كعملاق أضاءه ضوء القمر في بهو الكرنك الخالد .. و بصوت هز أرجاء المعبد واجهت الرئيس ..

" إعلم يا سيادة الرئيس أن تاريخ مصر هو عرض و شرف للمصريين .. و العرض و الشرف ليسوا للبيع و لا للإيجار .. فأقول لكم بكل قوة ..إرفعوا أيديكم عن تراث مصر .. بل تراث الإنسانية ..

إن هذا الشعب صبره طويل لكن غضبته مفزعة و حلمه ثقيل .. لكن هبته مروعة فلا يغرنكم صبره حتى يضيق الضيق بالضيق .. و تضيع منكم و منه معالم الطريق .. فافيقوا أيها السادة قبل أن يفيق .. "

أنهت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد كلامها .. و زفرت زفرة طويلة .. تلتها بإشارة من يدها فهم منها الرئيس أنه لم يعد مرغوباً فيه .. فغادر المكان على عجل .

د.إبراهيم شلبى

- تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1983 وحصل على ماجستير علاج الأورام عام 1987 - عمل معيدا بمركز قصر العيني لعلاج الأورام- جامعة القاهرة وأخصائيا بمركز الكويت لمكافحة السرطان - قام بنشر أربعة كتب

3 تعليق

شاركنا بتعليقك

سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

الذهاب للاعلى