المقالات

مصر في الدين والفن

1 مارس 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

علي امتداد سنوات عن الدين والفن في مصر المصري الأصيل بالوراثة الحضارية هو الذي يجتمع في نفسه‏,‏ وفي تفكيره‏:‏ الدين والفن‏.‏ وهذه الصلة بين الفن والدين أدركتها مصر

بما في داخلها من إحساس عميق بالمقدس والجميل‏,‏ فأدخلت موسيقي المعبد‏,‏ واشتركت الملكة نفرتاري بآلة السيستروم‏.‏ ومن المعبد نبعت الموسيقي الكنسية وخاصة اللحن الاتريبي‏,‏ واللحن السنجاري اللذين تعدهما الدراسات الموسيقية في الغرب‏:‏ أجمل موسيقي كنسية في العالم المسيحي‏.‏ وفي الإسلام رتلت مصر القرآن الكريم ترتيلا‏..‏ ومن مصر خرجت قراءة‏(‏ ورش‏)‏ الي شمال إفريقيا حتي المغرب‏,‏ ثم عبرت البحر الي الأندلس‏..‏ لأن مصر تعرف بالحس الحضاري‏.‏ أن القلب البشري يحن الي النغم والتناغي فإذا اقترن المعني الشريف بالنغم الجميل‏,‏ غمر النفس سيال من الحنان‏.‏ كتب الشيخ البشري عن تقاليد مصر في الفن‏,‏ فقال‏:‏ إن متقدمي القراء في مصر يستهلون قراءتهم من‏(‏ البياتي‏),‏ وبه دائما يختمون‏.‏ ويقول‏(‏ علي أنني لا أدري من أين جاء مصر هذا التقليد ولا متي كان مهبطه من الزمان القريب أو البعيد‏..‏ ولعل ذلك يرجع الي أن هذا‏(‏ البياتي‏)‏ هو نغمة البلد الأصلية وهو من آصل النغمات التي تتقلب فيها حناجر المصريين‏,‏ ففي الحق أن هذه النغمة فوق سعة أفقها وتقبلها لكثرة التصرف والتلوين‏,‏ فإن المصري يجد من الاستراحة إليها والأنس بها ما لا يجد لكثير‏..‏ أو لعله وجد‏,‏ الي هذه المزايا في طبيعتها ما يلين للحناجر قبل أن تصقل وتتجلي‏..‏ ثم يتلطف لها بعد أن ينهكها الجهد الشديد‏.‏ وبعد القرآن يأتي الأذان يحدث عن التناسق والهارموني في ذوقها‏...‏ والكلام هنا يطول ويجول ويقول‏..‏ وترتيل القرآن انعكس علي العمارة الإسلامية متمثلا في ظاهرة العقود المتوالية‏..‏ إن توالي العقود في العمارة الإسلامية‏,‏ لون من الترديد‏..‏ لون من التطريب الهندسي‏.‏ ونثر النجوم في الزخرفة الإسلامية في أحجام مختلفة نوع من الترديد والتوليد‏..‏ إنه تحية لسورة النجم لآية‏(‏ والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب‏).‏ ونظام الوحدات في الزخرفة الإسلامية لون آخر من الترديد والحرية في الإسلام واحترامه الإنسان‏,‏ انعكس علي العمارة الإسلامية‏.‏ في الفن الإغريقي أمر‏order...‏ أمر أي مقاييس ثابتة ومحددة وهي بهذا محدودة‏.‏ الفن الإسلامي له رؤية ثم يتنوع بتعدد الإنسان الخلاق الذي يحترم الإسلام حريته‏,‏ حين كرم الإنسان بعامة‏..‏ بالحرية والشوري وإرادة الاختيار ودعوته الي التأمل والتفكير‏.‏ حتي ليقول الأستاذ العقاد‏(‏ التفكير فريضة إسلامية‏)‏ وهو عنوان كتابه القيم‏..‏ ومن هنا امتاز الفن الإسلامي بتنوع عظيم ظهر في صناعاته وفنونه‏,‏ وهذا التنوع بلغ حدا يصعب فيه كثيرا أن نجد تحفتين متماثلتين‏,‏ ومع ذلك يمتاز بوحدته كما يقول م‏.‏س‏.‏ ديماند في كتابه‏(‏ الفنون الإسلامية‏).‏ إن حلم الإنسان المعاصر بعد معاناة طويلة من التشقق حلمه الاستقرار والوئام النفسي‏,‏ وسلام في أعماق النفس‏,‏ وهو ما نجح الإسلام في الايحاء به‏,‏ ممثلا في البهجة في العمل علي المستوي الفردي والمستوي الجماعي‏.‏ القدرة علي التنويع مع الاحتفاظ بوحدة العمل الحرية في القبول طبقها المسلم في الفن والعمل‏..‏ والحياة من وحي اعتماد ما في الدين‏..‏ ويترتب علي هذا‏:‏ السعادة في العمل وهي نعمة‏..‏ ومثال للحياة السوية‏.‏ إن العمل علي المستوي الفائق مرقاة الي الخلاص‏Sahuation‏ من يد الرائع الذي تسهم في ابداعه‏..‏ إن القرآن الكريم ليس للتبرك‏..‏ إنه روح الثقافة الإسلامية كيف يفصل الدين عن الفن؟ إن القبلة في المسجد‏,‏ معناها جمع قلوب الناس علي هدف واحد‏.‏ هل يقارن هذا بما يحكيه‏(‏ ديورانت‏)‏ في كتاب‏:(‏ قصة الحضارة‏)‏ عن الدانمركيين أنهم كانوا يأكلون لحوم البشر ومتي؟ في القرن الحادي عشر‏)!!!‏ ويسخر ديورانت في مرارة قائلا‏:‏ ‏(‏مما لا ريب فيه أن هذه العادة كان لها حسنات اجتماعية معينة‏,‏ فقد سبقت الي الوجود‏,‏ الخطة التي اقترحها سويفت في شأن الانتفاع بالأطفال الزائدين عن الحاجة‏,‏ ثم أفسحت أمام الكهول مجالا وهو أن يموتوا موتا فيه نفع للآخرين‏!!‏ أضف الي ذلك وجهة النظر التي لا تري في الجنائز إلا إسرافا لا تدعو إليه ضرورة‏...‏ ولقد كان من رأي مونتيني أن تعذيب الإنسان حتي يسلم الروح تحت قناع من الورع والتقوي كما كانت الحال في عصره‏,‏ أفظع وحشية من طهيه وأكله بعد موته‏..‏ إنه لواجب علينا أن يحترم كل‏,‏ منا‏,‏ أوهام الآخر‏).‏ ‏‏ج‏1‏ من المجلد الأول ص‏21‏ ‏(‏ من كتاب‏:‏ قصة الحضارة‏).‏ هل يقارن هذا بتاريخ مصر وتاريخ مصر الإنساني؟ إن المسيحية زهرة جذورها في مصر القديمة‏.‏ والإسلام زهرة جذورها في مصر القديمة‏.‏ أي أن مصر الحضارة وقفت وراء الأديان‏.‏ إن المسيحية زهرة جذورها في مصر القديمة التي عرفت القيم النبيلة‏,‏ والإسلام زهرة جذورها في مصر القديمة‏,‏ حين كانت الهليستينية غريبة فلم تهضمها مصر‏.‏ يقول ديورانت في كتابه‏(‏ قصة الحضارة‏)‏ ‏‏ما أقصر حياة اليونان أو روما بالقياس الي السجل الحافل في حياة مصر الذي يمتد من‏(‏ مينا الي كليوبطره‏‏ ‏(‏كتاب قصة الحضارة ج‏2‏ ص‏53)‏ ويقول ديورانت‏:‏ ‏(‏في هذه الآثار القديمة القائمة في سقارة والتي تكاد تكون بداية الفن المصري في العهود التاريخية‏,‏ نجد الأعمدة الأسطوانية المنقوشة التي لا تقل جمالا عما شاده اليونان فيما بعد‏..‏ كما نجد نقوشا تفيض واقعية وحيوية وخزفا أخضر وفخارا ملونا مطليا بطبقة زجاجية تضارع ما انتجته ايطاليا في العصور الوسطي‏..‏ ونجذ هناك أيضا تمثالا قويا من الحجر للملك زوسر نفسه عدا عليه الدهر فطمس بعض معالمه التفصيلية‏,‏ ولكنه يكشف عن وجه ذي نظرات حادة ثاقبة وعقل مفكر‏).‏ ج‏2‏ ص‏67‏ لقد ابتكر المصري القديم الأسس كلها التي تقوم عليها صناعة التعدين ومتحف العلوم في لندن‏,‏ يشير الي أن جميع الصناعات تبدأ بقدماء المصريين‏.‏

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى