المقالات

مصر

الحضارة والاديان فى مصر
26 ابريل 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

لقد درسنا جميعا مصر الجغرافيا‏:‏ أي النيل والوادي ومصر التاريخ‏:‏ أي الزمن‏..‏ والأحداث‏..‏ والناس‏.‏ بقي أن نعرف مصر القيمة مصر القيمة مواقف حضارية غيرت مجري التاريخ‏..‏

مصر القيمة هذه‏,‏ هي التي يجدر‏,‏ بنا‏,‏ أن نقف عندها اليوم‏,‏ وقفة طويلة‏.‏ وقد يسمي البعض حديثنا هذا إقليمية ولكننا نسميه فريضة وطنية‏,‏ فالماضي في الأمم العريقة ليس للنسيان أو القدم أو حتي للتشدق الأجوف به‏,‏ ولكنه سجل للتجارب والانتصارات أصلح ما يمكن أن يكون قاعدة انطلاق أشد قوة ومضاء‏.‏ ونحن حين نعيش مع أبنائنا قصة مصر وما أدت‏,‏ لا نأتي جديدا‏..‏ فقد فعلت هذا الأمم الواعية في الشرق والغرب‏,‏ فكتب فاليري عن الشخصية الفرنسية‏,‏ وكتب آرثر براينت قصة انجلترا‏..‏ وكتب لود فج عن الألمان‏...‏ إن أمريكا علي حداثة عهدها بالتاريخ‏,‏ كتب عنها بروجان كتابه‏(‏ الشخصية الأمريكية‏).‏ أما في الشرق فقد كتب كرشما لال عن الهند‏,‏ كما كتب لين بتانج عن الصين كتابا من أمتع كتب الشخصية‏.‏ وهكذا يكتبون عن أوطانهم بلا عقد ولا خوف أو اتهام بالإقليمية‏,‏ كأن الإقليمية في حد ذاتها جريمة‏..‏ أو كأن الإنسان لا يستطيع أن يتعاون مع جيرانه إلا اذا أنكر نفسه أو أغفلها مجاملة أو مسايرة أو غير هذا من مقاصد بقصد أو غير قصد‏.‏ نحن نحب الإنسان في كل مكان‏,‏ ونحب مصر بالطبع أكثر‏..‏ نحبها أكبر الحب وأغلاه‏..‏ وفي سبيل إعادة بناء الشخصية المصرية لابد لنا من فهمها ومصاحبة تاريخها في رحلته الطويلة في محاولة جديدة لتفسيره ورؤية‏(‏ المعني‏)‏ فيه‏.‏ لا نقف عند مآسيه وحدها التي هي تقصير الإنسان‏,‏ ولكن عند أفراحه أيضا فهي حصاد السنين‏.‏ إن وعي التاريخ ليس اجترار الماضي‏..‏ إنها معاصرة واستجماع لانطلاق جديد‏..‏ في البداية نسأل‏:‏ هل مصر هبة النيل؟ مصر ذات البحرين وبنت القارتين فهي صدر إفريقيا وهي بسيناء طرف في آسيا‏..‏ وهي بساحلها الشمالي تطل علي أوروبا‏.‏ هذا حين تتلمس روسيا منفذا علي البحر‏..‏ يقف البحر الأحمر علي يمين مصر‏..‏ ويقع البحر الأبيض في شمالها‏..‏ ويتربع النيل في قلبها حبها الكبير وحبنا الكبير‏..‏ إنها بموقعها صدر إفريقيا وصدارتها‏..‏ وهي بسينا طرف في آسيا فهي ذات البحرين وبنت القارتين مصر فلتة جغرافية‏..‏ وطبيعية‏..‏ وحضارية‏.‏ مصر‏(‏ هبة النيل‏)‏ كلمة قالها المؤرخ اليوناني هيرودوت ورددناها بعده الي يومنا هذا‏.‏ أقول مصرية‏..‏ مصر هبة النيل وهبة الإنسان المصري أو ما سماه أكبر مؤرخي العصر الحديث توينبي التحدي والاستجابة‏.‏ لقد أعطي النيل‏,‏ مصر‏,‏ الكثير‏,‏ وعلمها الكثير ولكن النيل الذي نعرفه كانت له في العصور البعيدة صورة أخري مختلفة تماما كانت مصر تشبه منطقة بحر الجبل في الجنوب كما عرفت في الجغرافيا‏.‏ حولت مصر المستنقعات وأحراش البردي الي جنة خضراء وهو منجز حضاري لا يقل عن بناء الأهرام في دلالته علي طاقة القدرة والإرادة والبناء‏.‏ بعد الله‏,‏ مصر هبة النيل وهبة الإنسان المصري وثمرة جهوده الموصولة الطموح‏,‏ فهناك أنهار أخري لم تقم في وديانها ما قام في مصر من حضارة متفوقة متألقة باقية علي الأيام كحضارة مصر‏.‏ لقد استجاب الإنسان المصري لقسوة التحدي‏..‏ تلك الاستجابة التي أضفت علي التاريخ المصري وعلي شخصية مصر دلالتها الحقيقية حتي قال الدارسون في إكبار‏:‏ ‏‏إذن البيئة ليست السبب الوحيد الذي تتولد عنه الحضارة‏‏ انها همة الإنسان المصري الذي ضبط النهر ثم زرع‏..‏ وبني‏..‏ ورسم‏..‏ ولون‏..‏ وشكل كل شيء حتي الزمن نفسه حين قسمه أياما وشهورا‏,‏ وأهدي الي الدنيا التقويم الشمسي الذي تسير عليه الي اليوم‏.‏ في سبيل تقسيم الحقول علي جانبي النيل بالقنوات‏,‏ اخترعوا القدم والذراع‏,‏ بل اخترعوا النظام العشري‏.‏ ومن أجل النيل‏,‏ أقاموا المراصد‏,‏ والحواجز‏,‏ والسدود‏,‏ بل كتبوا ورسموا ولونوا‏.‏ إنها همة الإنسان المصري الذي عرف كيف يستفيد من النهر ويحوله من مجري ماء الي حضارة كاملة باذخة شامخة‏.‏ فمن غرين النيل‏,‏ أقام الإنسان المصري أول بناء كان أساسا لفن العمارة‏,‏ الذي تطور مع العصور واستبدل بالغرين الحجر والمواد الأخري‏.‏ ومن غرين النيل شكل المصري القديم الأواني الأخري وتطورت صناعة الفخار مع الزمن‏,‏ واتخذ مكانه بين التحف الجميلة‏.‏ واتخذ المثال المصري نهر النيل وسيلة لنقل الأحجار الضخمة وبخاصة الجرانيت الذي شيدت منه آثار ضخمة‏,‏ بل تطلع الإنسان المصري الي السماء يراقب الافلاك فتبين أن بشائر الفيضان تقترن بظهور نجم الشعري اليمانية في غرب السماء المصرية فكان هذا نواة علمهم بالفلك‏.‏ وقسموا السنة الي ثلاثة فصول‏:‏ الجمال‏,‏ والخير‏,‏ والحياة أما الجمال فهو الفيضان ولهذا كانت بداية السنة عندهم ما يقابل‏11‏ سبتمبر والنيل من الفيضان ملك مهيب‏..‏ وأما الخير‏,‏ فهو البذر‏.‏ والحياة هي الحصاد والجني‏.‏ وقامت في مصر أول حكومة في التاريخ‏,‏ فإن وجود النيل تطلب حكومة قوية لتنظيم الري‏.‏ لقد كيف النيل تخطيط المدينة المصرية التي تتجه إليه لتستفيد من الماء‏,‏ ولهذا يغلب علي المدن المصرية الاستطالة أي انها طولية‏.‏ ولم يعط‏,‏ النيل‏,‏ مصر‏,‏ الماء فحسب‏,‏ بل أعطاها الأرض أيضا بما يحمله من طمي كل عام‏.‏ وإذ فتح الإنسان المصري عينه كل عام علي النهر المتدفق والأرض السمراء‏,‏ لاح له خاطر ظل يخايله طيلة أشهر الفيضان حتي اذا انحسر الماء بدأ يزرع فبدأت صفحة جديدة‏.‏ في بداية العصر الحجري الحديث‏,‏ عرف أهالي مرمدة بني سلامة والفيوم الزراعة‏..‏ فكانوا أول زراع في التاريخ‏..‏ كم هي طويلة قصة الزراعة في مصر‏..‏ انها رحلة مصر في صناعة الحضارة‏.‏ سفر طويل قطعه الإنسان المصري في إقامة الحضارة‏.‏

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى