المقالات

آفاق‏..‏ وأخلاق‏..‏ وأعلاق وأعماق

1 فبراير 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

السيدة زينب‏..‏ إنها قيمة معنوية تجسد كل ما في عالم الإنسان الأعلي من قيم ونبل وسمو وأخلاق وتضيحة وفداء‏.‏ لقد احتوت الطفل زين العابدين ابن أخيها الشهيد الحسين بن علي

في حجرها وأظلته بصدرها وقالت لزبانية يزيد‏,‏ الذين هجموا علي الطفل المريض بعد أن قتلوا أباه الشهيد الإمام الحسين‏:‏ اقتلوني أنا أولا فارتد السفاحون يجللهم الخزي والعار‏.‏ وعاش زين العابدين ليعيش به ذكر العلويين ويقوم لهم ملك ودولة‏.‏ السيدة زينب في مصر‏..‏ في سوريا‏..‏ في الجزائر في كل بلد إسلامي بكل ما تمثله من معاني الفداء والحماية والحنان بكل ما تمثله من معاني الحق وشجاعة الرأي والموقف والضمير‏..‏ يزيد أخرجها من دولته‏..‏ ومصر أدخلتها في كنفها وقلبها مصر استقبلتها‏:‏ واليها وشعبها عند حدود الشرقية وطلب إلي الوالي أن يتنازل لها عن قصره وأنزلها‏,‏ فيه‏..‏ وهو ضريحها الآن‏.‏ السيدة الطاهرة في نظر‏,‏ مصر‏,‏ الست‏.‏ ويقسم المصريون في حالات الحسم‏:‏ وحياة السيدة الطاهرة‏.‏ البشر والبشاشة‏..‏ البشر إيناس‏..‏ شعاع من الرحمة‏..‏ عطاء من الحب حتي ليقول الشاعر‏:‏ وما الخصب للأضياف أن يكثر القري ولكنما وجه الكريم خصيب ولأمر ما‏,‏ سميت الإنسانية بشرية‏.‏ وإلي البشر نسب الله نجاح الدعوة الإسلامية‏.‏ ‏(‏ولو كنت فظا غليظ القلب لا تفضوا من حولك‏).‏ ولهذا كان أقصي وأقسي عتاب للرسول‏,‏ الآية‏:‏ ‏(‏عبس وتولي أن جاءه الأعمي وما يدريك لعله يزكي‏).‏ والذي حدث أن ضريرا دخل عليه وعنده وجوه قريش يحاول أن يبصرهم بالإسلام ولا يريد أن يقطع حديثه‏,‏ أحد بالأسئلة‏.‏ علي أن هذه الآية استدل بها أحد المستشرقين علي صدق الرسول وصدق رسالته فلو كان القرآن من عنده كما يقول غير العارفين‏,‏ كما أثبت هذا العتاب علي نفسه‏.‏ ليت إنسان العصر الحديث يقف وقفة فاحصة عند الدين‏..‏ والحضارة الغربية‏.‏ وممن نقدوا الحضارة الغربية‏:‏ برنارد شو في كتابه‏:(‏ دليل المرأة الذكية‏)..,‏ وديوي في كتابه عن‏:(‏ الفردية االقديمة والحديثة‏)‏ الذي أشار فيه إلي التشقق في النفس الأمريكية‏..‏ ‏(Theundiscoverolself)‏ لـ يونج أوضح فيه أن خلاص العالم‏,‏ منه خلاص النفس‏(‏ لم يعد العالم مهددا بالكوارث الطبيعية أو الأوبئة‏,‏ ولكن بالتغيرات السيكولوجية‏..‏ إن أي اختلال يصيب التوازن في رأس حاكم من الحكام يلقي العالم في بحر من الدماء‏,‏ وقد حدث هذا في الحربيين العالميتين‏.‏ إن الإنسان طبيعته ثنائية وخلاصه في التمييز بين الطبيعتين فيه‏,‏ تم الفصل بينهما‏.‏ إن الأمراض النفسية معدية والإنسان معرض لها ويقف حيالها دون وسائل دفاعية‏.‏ إن أزمة الإنسان المعاصر أنه أبعد عن الصورة‏.‏ أصبح إنسانا نمطيا ولا يميز إنسانا من إنسان إلا صفة فريدة‏,‏ فيه‏...‏ الإنسان الأوروبي غير متكامل‏.‏ الدين هو الميزان المضاد للعقلية الحشدية‏.‏ إن الحركات الحشدية اجتماعية‏,‏ وسياسية تحاول سحب السجادة من تحت قدميه‏.‏ إن اعتماد الإنسان علي خالقه المولي سبحانه وتعالي يشد الإنسان إلي سلطة أخري غير سلطة الدنيا وبدون مسئولية الفرد أمام الله تصبح الأخلاق أمورا تواضعية‏..‏ قوانين تقبل التحايل‏.‏ والإنسان الطفل هو الذي يعتمد علي غيره تحت أي اسم من الأسماء‏..‏ ومن هنا يكره الممتازون‏.‏ التبعية والتسلط في أي صورة‏..‏ أما رجل الحشد فيتوهم أن القمة تحت أي اسم من الأسماء تحقق له كل شيء‏.‏ إنها حالة وهمية أو الجلم الطفلي‏..‏ إنه ارتداد إلي جنة الرعاية الوالديه‏.‏ الناس في العصور الوسطي كانت تري الإنسان يحصل علي معلوماته بالتأمل وبفضل غرائزه التي تربطه ببيئته‏..‏ وإن كانت هذه الغرائز كثيرا ما تتصارع‏,‏ هنا يحتاج مثالية الدين الراسخ في نفس الإنسان مهما جحد‏.‏ سئل يونج عن سر أزمة أوروبا فقال في كتابه‏:‏ ‏Theundiscoverolself‏ هي ضياع الفرد‏.‏ وغير هذا الفنان إن وظيفة الفنان استقطاب عطاء الوجدان البشري‏,‏ حتي عصره‏,‏ ثم يضيف إليه من ذاته ثم يعطي عطاءه لجيله والأجيال بعده‏.‏ قد يقول قائل إن التذوق الفني هواية مترفين‏,‏ ولكن أكبر منه تحقيق حياة المشاهد من خلال الفن وترشيدها وإضاءة ضمير واكتشاف حكمة لا توجد في الكتب‏.‏ إن القطعة الفنية إنما هي رؤية لأجيال مجتمعية في رائعة فنية‏..‏ إن العمل الفني الرائع‏,‏ كلمة خضراء تستوعب رؤي عصر من عصور الكون بصورة مصفاة‏..‏ إن الأثر الفني الرائع‏,‏ عمل تحس أن صاحبه توضأ قبل أن يزاوله‏.‏ إنه عمل كأنه استجابة لدعوة امرأة فرعون‏...‏ حقا إنه قصر من الجنة‏.‏ إن الإنسان الكامل المتكامل‏=‏ خبرة دينية‏+‏ خبرة علمية‏+‏ خبرة خلقية‏+‏ خبرة فنية‏.‏ خبرات ناضجة لتعطي عطاءها‏.‏ إن الخبرة الناضجة جزء من الزمن متصلة بالماضي مرتبطة بالحاضر‏,‏ موصوله بالمستقبل‏.‏ يقول برتراند رسل في كتابه‏ RoadsToFreedom:‏ الدين كلمة لها تاريخ طويل ومن الناس متدينون دون أن يكون في طبيعتهم شئ يستحق أن يسمي دينا فهم خليو البال من التاريخ أو الخبرة الإنسانية التي تجعل للطقوس منهم قيمة‏..‏ إن الناس يصدرون في أعمالهم عن أصول ثلاثة متقاربة وإن كانت متميزة‏:‏ الغريزة‏.....‏ العقل‏....‏ الروح وحياة الروح من بين الثلاثة هي التي تصنع‏:‏ الدين؟‏.‏

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى