المقالات

نعمات أحمد فؤاد.. حاملة الهموم المصريَّة

12 أكتوبر 2016
إيهاب الملاح
المصدر الاتحاد الثقافي

سيرة نعمات أحمد فؤاد ورحلتها العامرة بنضال علمي وفكري وثقافي، طوال ما يقارب ثلاثة أرباع القرن، تشبه في مجملها الزهرة زكية الرائحة، حيثما حلت تنفست أريجاً معطراً ونشرت شذاً منعشاً للروح.

في هدوء ووداعة يليقان بامرأة عاشت عمرها تدعو إلى المحبة والسلام، رحلت الكاتبة والمثقفة المصرية الرائدة نعمات أحمد فؤاد (1926 - 2016)، أحد نماذج المرأة المصرية والعربية المشرفة في القرن العشرين. رحلت صاحبة «قيم إسلامية» بعد تسعين عاما عاشتها الرائدة الكبيرة في عمل متواصل وإنتاج وافر، وحضور طاغٍ في المجال العام، فضلا عن إسهاماتها المتعددة في الدفاع عن تاريخ وتراث وآثار مصر، وخاضت في سبيلها المعارك الواحدة تلو الأخرى.

لا يتردد هذا الاسم، نعمات أحمد فؤاد، إلا ويستدعي ظلالاً من حقبة عامرة بالإنتاج والعطاء العلمي والثقافي. بدأ عطاؤها العلمي والثقافي مبكراً جداً، إذ بدأت النشر في دوريات ذلك العصر «الرسالة» و«الثقافة» و«الكتاب»، وهي ما زالت بعدُ طالبة في الجامعة المصرية.
وسيرة نعمات أحمد فؤاد ورحلتها العامرة بنضال علمي وفكري وثقافي، طوال ما يقارب ثلاثة أرباع القرن، تشبه في مجملها الزهرة زكية الرائحة، حيثما حلت تنفست أريجاً معطراً ونشرت شذاً منعشاً للروح. منذ نشأتها الأولى وظهور مخايل النجابة والذكاء على سيماها في سنواتها المبكرة، بدا أن هذه الفتاة بملامحها المصرية الخالصة وسمرتها الفاتحة سيكون لها شأن كبير، وستسعى جادة مخلصة في الحصول على حقها في أن تتعلم، وأن تصل بعلمها إلى أعلى الدرجات وتبلغ أرفع المناصب الثقافية.
وكان اسم نعمات أحمد فؤاد، في ذلك السياق، يتردد ضمن كوكبة من أسماء أخريات ردن طريق التعلم والعلم وسطعت أسماؤهن في تاريخ الجامعة المصرية، بل الحياة الثقافية المصرية كأنصع وأزهى ما يكون. حظين جميعاً بشهرة عريضة ووافرة، وهن لم يتجاوزن العشرين، أو دونها بقليل، وارتقين إلى درجات من المعرفة العالية والمكانة الاجتماعية والحظوة الثقافية ما تحفى أقدام الرجال حتى يحصلوا على بعضه.

مناخ ثقافي بامتياز
تفتحت ملكات هؤلاء الرائدات، ونمت معارفهن في النصف الأول من القرن العشرين، وأخذت كل واحدة منهن تشق طريقها الذي اختارته، وكان لنعمات أحمد فؤاد مسارها البارز في الدراسة والكتابة والصحافة على السواء. قررت منذ التحاقها بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن تكون «كاتبة»، و«مؤلفة» و«باحثة» مرموقة.
كان قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة، في أربعينيات القرن الماضي، لا يعرف إلا قلة من الفتيان الذين أغرتهم دراسة الأدب واسم طه حسين، ويكاد لا يعرف الفتيات «قيل إن طه حسين قد اتفق وقتها مع رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد على قبول عدد من الفتيات في الجامعة اعتماداً على أن قانون الجامعة خلا من أي شرط يتعلق بجنس الطالب». كانت سهير القلماوي الاسم الأبرز، وربما الوحيد بين خريجي قسم اللغة العربية في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، تلتها بقليل بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن، ثم لحقت بهما نعمات أحمد فؤاد التي التحقت بالقسم ذاته وتخرجت فيه العام 1947.
في ذلك الوقت، ولأنها كانت موهوبة وغزيرة الثقافة، ولديها استعداد فطري لدراسة العلوم الإنسانية والآداب، اجتذبت الأنظار، وحصلت شهرة لا بأس بها، من خلال مقالاتها وكتاباتها الأولى التي كانت تنشرها في دوريات ذلك الزمان التي فتحت لها ذراعيها ورحبت بها ترحيباً كبيراً، نشرت نعمات فؤاد مقالاتها الأولى في الرسالة والثقافة والكتاب وغيرها، فذاع صيتها، واشتهر اسمها، ولما تتخرج بعد.
وعقدت صلات قوية مع أشهر وأبرز رجالات الفكر والثقافة والأدب، كان اسم طه حسين قد رسخ وتجذر حضوره، وكذلك كانت تشكل التيار العقادي نسبة إلى عباس محمود العقاد، وكان كلاهما قد أنجز شطراً كبيراً من مشروعهما الثقافي، وأخرجا عشرات الكتب والمؤلفات. توطدت علاقات الفتاة النابهة الواعدة، الطالبة في كلية الآداب، بأحمد حسن الزيات صاحب الرسالة، وبأحمد أمين صاحب الثقافة ومؤرخ الحياة العقلية للمسلمين، وكانت من المغرمين بكتابات المازني، فلازمها شغفها به في دراستها العالية، ثم كان أن تتلمذت بشكل مباشر على يد الشيخ المستنير أمين الخولي، لتصبح واحدة من أهم وأبرز أعضاء جماعة الأمناء.
تخرجت نعمات أحمد فؤاد بتفوق في العام 1947، وقررت استئناف دراستها العليا، للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه. ومن واقع تأثرها الكبير بأساتذتها «الزيات»، و«العقاد»، وخاصة «المازني»، أعدت نعمات أحمد فؤاد رسالتها للحصول على الماجستير عن «نثر المازني»، تحت إشراف أستاذها أمين الخولي، وتحصل على الدرجة بتقدير ممتاز في العام 1952، وستكون تلك الأطروحة هي الأولى من نوعها التي تنجزها فتاة مصرية في الجامعة في تخصص «الأدب الحديث»، وكان الشائع وقتها إنجاز مثل تلك الدراسات الأولى في الأدب القديم. ستصدر هذه الرسالة في ما بعد في كتابها المعروف «أدب المازني».
وكما ابتعدت نعمات أحمد فؤاد عن الأدب التقليدي في دراسة الماجستير، قررت أن تقتحم في دراستها للدكتوراه موضوعاً جديداً وغير مطروق من قبل، وهو دراسة النيل في الأدب العربي. وفي عام 1959 ستحصل نعمات أحمد فؤاد على درجة الدكتوراه في الأدب العربي (تخصص أدب مصر الإسلامية)، عن رسالتها «النيل في الأدب المصري من العصر الإسلامي إلى آخر القرن السادس الهجري»، تحت إشراف أستاذها أمين الخولي أيضاً، وطبعت هذه الرسالة في كتاب من أشهر كتبها وهو «النيل في الأدب العربي»، وستكون هذه الدراسة رائدة في مجالها، وكتاباً مرجعياً لا يمكن تغافله أو الاستغناء عنه، وستواصل البحث في هذا الموضوع لتنجز فيما بعد كتابها الآخر الشهير «النيل في الأدب الشعبي».
ولم يفت نعمات أحمد فؤاد في أطروحتها للدكتوراه تسجيل سبق جديدة وريادة حقيقية، بأن تكون أول فتاة تتخرج في الجامعة وتتخصص في (أدب مصر الإسلامية)، ولن تكتفي بهذه الرسالة، بل ستنجز العديد من الدراسات والبحوث التي ستنشرها في ما بعد في عدد من أهم وأبرز كتبها مثل «الأدب والحضارة» و«شخصية مصر» و«القاهرة في حياتي» و«كتبت يوماً في الأدب والنقد والفكر والفن»، التي ستصبح بدورها كتباً مرجعية وذات قيمة كبيرة للقارئ العام وللمقبل على دراسة أدب مصر الإسلامية والأدب المصري بصفة خاصة.

تنويريّة ومناضلة
بعد حصولها على الدكتوراه، واحترافها تدريس الأدب والنقد، ستمارس نعمات أحمد فؤاد أدوارها الجامعية والتنويرية والتثقيفية، كأحسن ما يكون، وتعكف على الكتابة والتأليف، فتخرج مكتبة رائعة من المؤلفات في مناحي شتى، في الأدب والنقد، في التاريخ والسيرة والتراجم، في الحضارة ودراسة الشخصية الإقليمية، في أدب الرسائل، والنثر الحر، في الطرب والغناء.. وسيكون كل كتاب تصدره محل اهتمام وجذب واسع المدى، خصوصاً دراساتها الحضارية التي تميزت فيها برهافة بحث عظيمة وعميقة، وتوافرت فيها على دراسة مادة شاسعة مترامية الأطراف زماناً ومكاناً، تاريخاً وموضعاً مثلما نقرأ في كتابها الشهير «شخصية مصر» الذي أحاطت فيه على وجازته وصغر حجمه، بروح مصر الحضارية ومكانتها التاريخية منذ أقدم العصور وحتى الانتهاء من تأليف الكتاب.
كتبت نعمات أحمد فؤاد هذا الكتاب النفيس الذي يعد من أبرز وأهم وأشهر مؤلفاتها التي تقترب من الخمسين، في إحاطة وشمول واستقراء محيط ووعي متفتح، صدرت فيه عن عاطفة حب عميقة وحميمة لوطنها، وعبرت عن هذا كله في أسلوب أدبي آسر، بسيط وسلس.
ويبقى من بين أهم كتبها، تلك المجموعة التي خصصتها لدراسة أهم وأبرز شعراء الرومانسية العربية في منتصف القرن العشرين، خاصة كتابها «ناجي الشاعر»، و«شعراء ثلاثة ناجي، الشابي، الأخطل»، و«أحمد رامي قصة شاعر وأغنية».. كما تركت أيضاً عدداً من الكتب التي تؤرخ فيها لأعلام عصرها، مثل كتاب «المازني» في سلسلة أعلام العرب، و«في أدب المازني»، و«في أدب الرافعي»، فضلاً عن كتابها الممتع «الجمال والحرية والشخصية الإنسانية في أدب العقاد»، وهو من الكتب الممتازة التي تقدم مفاتيح ميسورة لقراءة إنتاج الكاتب الكبير.

شجاعة المواجهة
ويظل من بين أهم وأبرز وجوه هذه السيدة المصرية، العالمة الجليلة والأستاذة القديرة، وجه المناضلة الغيورة على مقدرات وطنها، المدافعة عن تراث وإرث أمتها الحضاري والتاريخي، وسيحفظ التاريخ فصلاً من أمجد فصوله الفكرية والثقافية، حينما تخوض نعمات أحمد فؤاد سلسلة من المعارك الضارية، الشرسة في وجه العشوائية والفوضى والتسلط، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى ما قبل اعتزالها الحياة العامة قبل حوالي عشر أو خمس عشرة سنة من وفاتها.
بقلمها وحده، وبمفردها، من خلال مساحتها المتاحة للكتابة على صفحات الجرائد، تصدت نعمات أحمد فؤاد لما عرف وقتها بمشروع تطوير هضبة الأهرامات الذي كان سيؤدي حتماً إلى تدمير المنطقة الأثرية والظهير الصحراوي لمنطقة الأهرامات وأبي الهول، لكن نعمات فؤاد أبت إلا التصدي وبحزم وعنفوان امرأة مصرية أصيلة لهذا العدوان، ونجحت هذه السيدة ذات الضمير اليقظ من استصدار قرار جمهوري حينها بوقف العمل في هذا المشروع، والمحافظة على هذا الفضاء الأثري دون تشويه أو افتئات (وثقت نعمات أحمد فؤاد لتفاصيل هذه القضية وفصولها وأطوارها في كتابها «مشروع هضبة الأهرامات أخطر اعتداء على مصر»).
ولو لم يكن لنعمات أحمد فؤاد إلا هذا الموقف لكفاها وأغناها، لكنها ظلت وهي صاحبة القلم الحر، تدافع بضراوة وشراسة عن الآثار المصرية وعن التراث المصري القديم، فناً وتاريخاً وعمراناً، فكانت حملتها المشهورة لرفض عرض الآثار المصرية في إسرائيل، ثم ومن بعد ذلك الدفاع عن تراث منطقة القاهرة المعزية القديمة، وفي القلب منها مسجد الإمام الحسين (سجلت تفاصيل هذه القضية بكاملها في كتابها التوثيقي «قبة الإمام الحسين قضية حكم»). وتصدت بكل قوة وحزم للصوص البنوك والنهب الرأسمالي الجشع، وفضحت مؤامراتهم على صفحات الجرائد (جمعت نعمات فؤاد مقالاتها وما كتبته عن هذه القضية في كتابها «اللص والكلاب محنة من عالم البنوك المصرية»). كما تصدت وبصلابة لا تلين لدفن النفايات الذرية في مصر وكتبت في ذلك شهادتها الرائعة في كتابها «مصر تدخل عصر النفايات الذرية».
كان كل ذلك بموازاة نشاطها الثقافي العام ومواصلة تأليفها للكتب وإلقائها المحاضرات، والذي لم يتوقف حتى بلغت بها الشيخوخة مرحلة متأخرة، اضطرت معها إلى اعتزال العمل العام والانفراد والعزلة في منزلها حتى وافتها المنية صباح السبت الماضي.
ستظل نعمات أحمد فؤاد حاضرة بعلمها ومؤلفاتها وكتبها، نفحة عطرة في صحراء موحشة، وسيظل أثرها باقياً في كل جانب من جوانب حياتنا وثقافتنا العربية والإسلامية.

إيهاب الملاح

كاتب ومؤلف مصرى

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى