المقالات

هل نعرف مصر؟

21 يونيو 2006
د.نعمات احمد فؤاد
المصدر الاهرام - مصر

أخشي أن يكون القراء قد تعبوا من المقالات الطويلة لهذا فكرت في أسلوب الخفق‏..‏ والنبض والومض إذا كان التاريخ هو حفظ الزمن فإن النحت فن مصر القديم

حاسة تاريخية‏..‏ والتحنيط حاسة تاريخية‏..‏ وقد لاحظ شبنجلر في كتابه‏DECLINEOFTHEWEST‏ ان الهندوكي يحرق الجثة ولكن المصري يحافظ عليها ويحنطها مصر التي لانعرفها حتي كان البيت المصري في القرن التاسع يطلق علي الشيء الذي يحلو في عينه‏(‏ عصمللي‏)‏ نسبة الي العثمانيين‏..‏ وفي القرن العشرين‏,‏ الحلو الافرانكه عم مستورد‏..‏ أما‏..‏ فهو بلدي أقاوم البكاء ياحبيبه‏.‏ حتي التراث حفظه‏,‏ عند الكثيرين‏,‏ معناه تجميعه وتشوينه بينما الحفاظ يعني تفهمه‏..‏ واستلهامه‏.‏ إن حياة العلم‏,‏ مذاكرته‏..‏ يروي الغزالي ان احد الصحابة قال يوم مات عمر‏:(‏ اليوم مات العلم‏)‏ ولم يكتب عمر‏,‏ كتابا ولم يكن استاذا في جامعة ولكن العلم قر في قلبه جوهره حين تستند الرؤية الإسلامية الحقيقية مصر التراث هي مصر التقاليد‏..‏ أي البعد الثالث للخبرة انها وثبات الاجيال وعطاؤها‏...‏ إنها منطلق لكل جديد متطور نام رحلة الحضارة في مصر‏.‏ الحقيقة ان هذه الرحلة التاريخية العظيمة بدأت بالنيل والانسان المصري معا هناك قول شائع‏(‏ مصر هبة النيل‏)‏ قول خاطيء او ناقص آن الاوان ان نصححه انه قول براق في ظاهره ولكنه خطأ او ناقص‏.‏ بداية أقول إن صاحب هذا القول‏(‏ هيرودوت‏)‏ وراء هذا قصة‏.‏ لقد تعلم هيرودوت كغيره من مشهوري الاغريق في مصر ولما أكمل هيرودوت مراحل التعليم المصري النظامي‏,‏ أراد ان يتعلم علوم المعبد المصري‏..‏ وقد كانت هذه العلوم قاصرة علي الكهنة لانها اسرار العلوم المصرية التي تفردت بها مصر كهندسة الهرم وأسرار التحنيط وعلوم أخري‏..‏ وبالطبع منع الكهنة هيرودوت من الدخول‏..‏ دخول المعبد المصري مستودع اسرار مصر‏.‏ فقال هيرودوت حانقا‏:‏ مصر هبة النيل‏..‏ اي ان النيل وحده هو الذي صنع كل شيء‏.‏ وغابت القصة او السبب الحقيقي في مسارب الأيام ولم يبق الا ظاهرها الذي استهوي الطيبين وهو يغبننا فالنيل يجري بعد خروجه من منبعه في تسع دول هي‏:‏ اثيوبيا ـ السودان ـ اوغندا ـ بوروندي ـ تنزانيا ـ رواندا ـ زائير ـ كينيا ثم يدخل مصر‏.‏ وهذه الدول التسع تسمي حوض النيل‏.‏ ولكن اقدم واكبر واخلد حضارة في‏:‏ تاريخ الانسانية قامت في مصر‏.‏ حضارة تعتز بها مصر بل يعتز بها تاريخ الانسان وتعتز بها دول وشعوب حوض النيل بخاصة ومصر منهم من أفريقيا القارة الأم وان كانت بسينا طرفا في آسيا ولكنها بالدرجة الاولي كيمه أي‏:‏ السمراء‏..‏ وتاكيما أي الخمرية كما كان يسميها أهلها الاولون الفراعنة‏.‏ تعتز افريقيا بمصر التي عمل ابناؤها لانفسهم ولإفريقيا قال هارولد ماكمايكل الدبلوماسي والباحث البريطاني‏.‏ في رحلتي الاولي مع النيل جنوبا ماوجدت بناء حجريا من الخرطوم الي اكوالوريا إلا وهو من بناء المصريين المدارس‏..‏ والمساجد‏..‏ ونقط البوليس‏..‏ وثكنات الجند‏..‏ ومراكز المواصلات‏..‏ ومحطات الري هذا كله بناه المصريون‏...‏ لوعرف المصريون مافعلوا لتحدثوا الينا في صوت آخر حقا ان النيل يجري في قلبها هوي ويجري في عروقها دما حضر النيل المسرح للحضارة وتجاوب الانسان المصري مع المكان والزمان‏.‏ كان عليه الكثير ليفعله وادرك هذا منذ البداية بذكاء فطري وفطرة ملهمة فتح الانسان المصري عينه وعقله علي النهر المتدفق والارض السمراء‏.‏ لاح له خاطر ظل يخايله طيلة اشهر الفيضان حتي اذا انحسر الماء بدأ يزرع فبدأت صفحة جديدة اقصد صفحات ملأت مجلدات ولاتزال الكشوف تسفر كل يوم عن نفائس ويسجل اكبر مؤرخي العصر الحديث ارنولد توينبي لمصر صنيعها منصفا فيقول‏:‏ ان هناك دالات أنهار كثيرة ولكنها لم تقم عليها حضارة كالتي قامت علي ضفات النيل في مصر وخرج توينبي من هذا بنظريته المعروفة‏:(‏ التحدي والاستجابة‏)‏ واستجاب الانسان المصري لصداقة التحدي تلك الاستجابة التي أضفت علي تاريخ مصر وشخصيتها بأدلالتها الحقيقية حتي قال الدارسون‏,‏ مع توينيي في إكبار‏:‏ إن البيئة ليست السبب الوحيد الذي تتولد عنه الحضارة‏)‏ وبدأت الرحلة‏..‏ رحلة مصر الحضارية في الصحراء في العصر الحجري حين كانت الصحراء مسقط الامطار ثم انتقل العمار الي الوادي بعد ان جفت الصحراء فشب الصراع بين سيبت واوزوريس اي بين الجدب والخصب او بين الحق والباطل علي هذا المكان نشأت قبل مينا ملحمة تاريخية رائعة‏.‏ لقد تضافر النيل والانسان المصري علي اخراج هذه الملحمة‏..‏ فهناك دالات انهار اخري ولكن الأنهار ودالاتها لم تخلق في غير مصر الحضارة بمستوي هذا الخلق‏.‏ اقولها وأرددها في غير اصطناع للتواضع انها الحقيقة‏.‏ واهم من هذا لم تتواصل فيها الحضارة بغير انقطاع كما حدث في مصر‏.‏ قبل الهرم بل قبل مينا كانت مصر تشبه منطقة بحر الجبل وبحر الزراف اللذين حدثونا عنهما في الجغرافيا حولت مصر المستنقعات وأحراش البردي الي جنة خضراء وهو منجز حضاري لايقل عن بناء الأهرام في دلالته علي طاقة القدرة والإدارة والبناء‏..‏ ولكن مصر من كثرة منجزاتها‏.‏ غدت المعجزات فيها بلاعلامة للحديث التاريخي‏,‏ بقية

د.نعمات احمد فؤاد

كاتبة ومؤلفة مصرية حاصلة على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في يونيو 2009

0 تعليقات

    شاركنا بتعليقك

    سوف يتم مراجعة التعليقات من قبل الادارة قبل تفعيلها

    الذهاب للاعلى